محمد بن محمد ابو شهبة
69
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
ألوان من حضارة الفرس والروم إلى شبه الجزيرة ، وأهم هذه الألوان الحضارية هي : الدين ، وضروب من المعازف ، وأدوات اللهو ، والقراءة ، والكتابة ، وبعض الألفاظ اللغوية ، والفنون الحربية وغيرها . الحالة الدينية عند العرب « 1 » يكاد يتفق علماء الأديان على أن التدين غريزة في الإنسان ، وقد عبر عن هذه الحقيقة معجم ( لاروس ) للقرن العشرين بقوله : « إن الغريزة الدينية مشتركة بين كل الأجناس البشرية حتى أشدها همجية ، وأقربها إلى الحياة الحيوانية ، وإن الاهتمام بالمعنى الإلهي ، وبما فوق الطبيعة ، هو إحدى النزعات العالمية الخالدة للإنسانية ، وإن هذه الغرايز الدينية لا تخفى بل لا تضعف ولا تذبل » ، وشرح ( بارتلمي سانت هلير ) نشأة التدين بقوله : « ما العالم ؟ ما الإنسان ؟ من أين جاا ؟ من صنعهما ؟ ما نهايتهما ؟ وما الموت ؟ وما ذا بعد الموت ؟ . . . هذه الأسئلة لا توجد أمة ، ولا شعب ، ولا مجتمع إلا وضع لها حلولا جيدة ، أو رديئة ، مقبولة أو سخيفة ، وهذا هو التدين » « 2 » . وقد اختلف علماء الأديان في تحقيق الظروف التي تنمّي غريزة التدين في النفس ، فيرى بعضهم أنها تنمو حيث يصل الإنسان إلى مستوى من السمو الفكري ، والوعي الثقافي ، الذي يفكر فيه : كيف خلق ؟ ومن خلقه ؟ وإلى أين يصير ؟ ويرى بعضهم أن غريزة التدين تنمو حيث يظهر اختلاف المظاهر الكونية ، وحين يشتد إحساسه بالضعف أمام هذه المظاهر . ويرى فريق ثالث : أنها تنمو تبعا للرخاء ، وهدوء البال ، فيجد فراغا من شغله ، وهمومه ، للبحث في الكون ، وخالقه ، ومدبره .
--> ( 1 ) حينما يتكلّم عن الدين كظاهرة من الظواهر البشرية يراد به ما هو أعمّ من أن يكون سماويا أو أرضيا ، حقا أو باطلا . ( 2 ) « الدين » ، ص 75 ، 76 .